الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
80
مختصر الامثل
يأكلون بنهم وشره من هذا الغذاء النتن وغير المستساغ جدّاً فيملؤون بطونهم . وعند تناولهم لهذا الغذاء السيء يعطشون ولكن ما هو شرابهم ! يتبيّن ذلك في قوله تعالى : « فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ » . إنّ البعير الذي يبتلى بداء العطش فإنّ شدة عطشه تجعله يشرب الماء باستمرار حتى يهلك ، وهذا هو نفس مصير « الضَّالُّونَ الْمُكَذّبُونَ » في يوم القيامة . وفي آخر آية - مورد البحث - يشير سبحانه إلى طبيعة مأكلهم ومشربهم في ذلك اليوم حيث يقول : « هذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدّينِ » . ومن الطبيعي أنّ أهل النار ليسوا ضيوفاً ، وأنّ الزقّوم والحميم ليس وسيلة لضيافتهم بل هو نوع من الطعن فيهم ، وأنّه إذا كان كل هذا العذاب هو مجرد استقبال لهم ، فكيف بعد ذلك سيكون حالهم . نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْ لَا تُصَدِّقُونَ ( 57 ) أَ فَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ ( 58 ) أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ ( 59 ) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 60 ) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ ( 61 ) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْ لَا تَذَكَّرُونَ ( 62 ) سبعة أدلة على المعاد : بما أنّ الآيات السابقة تحدثت عن تكذيب الضالين ليوم المعاد ، فإنّ الآيات اللاحقة استعرضت سبعة أدلة على هذه المسألة المهمة ، كي يتركّز الإيمان وتطمئن القلوب بالوعود الإلهية التي وردت في الآيات السابقة حول « المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال » . يقول سبحانه في المرحلة الأولى : « نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدّقُونَ » . أي لِمَ لا تصدّقون بالمعاد ؟ ! لماذا تتعجبون من الحشر والمعاد الجسمي بعد أن تصبح أجسامكم تراباً ؟ ألم نخلقكم من التراب أوّل مرّة ؟ أليس حكم الأمثال واحداً ؟ وفي الآية اللاحقة يشير البارىء إلى دليل ثان حول هذه المسألة فيقول : « أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ » . وهل أنّ القادر على الخلق المتكرر يعجز عن إحياء الموتى في يوم القيامة ؟ ثم يستعرض ذكر الدليل الثالث حيث يقول سبحانه : « نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ » .